تواجه صناعة تعدين الذهب في السودان أزمة إنسانية متفاقمة جراء الانهيارات المتكررة للمناجم التقليدية، والتي باتت تحصد أرواح المئات من المنقبين سنوياً. ويرجع الخبراء هذه الكوارث إلى سيادة “العشوائية” وتنحية المعايير العلمية لصالح الربح السريع، حيث يتم الحفر على أعماق تصل لعشرات الأمتار دون إجراء دراسات جيوتقنية أو مسوحات لصلابة الصخور ومسارات المياه الجوفية، مما يحول هذه الأنفاق الضيقة إلى فخاخ مميتة تنهار عند أقل حركة أو تسرب مائي.
ورغم المخاطر المحدقة، يجد أكثر من مليوني سوداني أنفسهم مضطرين لخوض هذه “المغامرة القاتلة” باعتبار التعدين التقليدي المصدر الوحيد للدخل في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية. وتعتمد الدولة بشكل شبه كلي على هذا النشاط الذي ينتج نحو 200 طن سنوياً، إلا أن غياب الرقابة والشركات المتخصصة جعل من عمليات الحفر تتم في مناطق هشة وبطرق بدائية تفتقر لأبسط شروط السلامة، مما يكرس مأساة “الذهب القاتل” كظاهرة اعتيادية في المشهد السوداني.
ويؤكد المختصون أن الحل الجذري يكمن في تقنين هذا القطاع وتحويله من تعدين عشوائي إلى “تعدين أهلي منظم” تحت إشراف الدولة، أسوة بتجارب دول إفريقية ناجحة. ويتطلب هذا التحول تجميع المنقبين في تعاونيات صغيرة وتزويدهم بالخبرات اللازمة لاستخدام أدوات آمنة وتقنيات رصد تحذر من الانهيارات قبل وقوعها، لضمان استمرار هذا المورد الاقتصادي الهام دون أن يظل ثمنه باهظاً من دماء وأرواح البسطاء الباحثين عن لقمة العيش تحت الركام.