حين يتكلم التاريخ: وادنون تدحض وهم اقصائها من الحكم الذاتي
بقلم الصادق محمد فاضل باحث في الشؤون السياسية و الاقتصادية
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
قال تعالى:
“ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين”
وقال سبحانه:
“ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب”
وقال عز وجل:
“يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم”
هذه الايات البينات ليست زينة لغوية، بل هي اصول اخلاقية تحكم القول حين يتعلق بمصير وطن ووحدة ارض وتاريخ امة. ومن هذا المنطلق، يصبح من الواجب الرد بقوة ووضوح حين يتجرأ مسؤول جهوي على قلب الحقائق وتزييف التاريخ ومحاولة رسم حدود جديدة للصحراء المغربية وكأنها ملكية خاصة لا جزء من سيادة دولة عريقة.
لم يكن تصريح رئيس جهة العيون الساقية الحمراء حول اقصاء كلميم وادنون من مشروع الحكم الذاتي مجرد زلة، بل كان محاولة صريحة لقلب الموازين وتفصيل الصحراء على مقاس النفوذ السياسي. تصريح يشبه تماما ما حذر منه الله تعالى في قوله: “ولا تبخسوا الناس اشياءهم”، لان وادنون ليست شيئا يمكن انتزاعه بعبارة او جملة، بل هي عمق تاريخي يسبق وجود كل التقسيمات الادارية التي يتحدثون من داخلها اليوم.
من يتجرأ على اخراج وادنون من مشروع الحكم الذاتي، اما انه لم يقرأ التاريخ، او انه يقرأه بطريقة انتقائية تخدم مصالح ظرفية. فالوديان الثلاث، وادنون والساقية الحمراء ووادي الذهب، ليست مناطق منفصلة، بل وحدة جغرافية وسياسية وروحية شكلت عمق الصحراء المغربية منذ قرون. ومن يعود الى وثائق البيعة التي اعتمدتها الدولة المغربية من عهد السعديين مرورا بالمولى اسماعيل ووصولا الى الدولة العلوية، سيجد ان قبائل الصحراء كانت تقدم بيعتها للعرش عبر وادنون، لانها كانت مركز الرباطات والعلم والتجارة ومحطة الوصل بين الشمال والجنوب.
وكيف ينكر رئيس جهة هذا الامتداد وهو يعلم و ربما لا يعلم ان الشيخ ماء العينين انطلق في مشروعه الجهادي من موريتان مرورا بالساقية الحمراء الى وادي نون و سوس ماسة، وان الشيخ الهيبة اعتمد على وادنون في تجميع القبائل قبل معاركه ضد الاستعمار؟ وكيف يغيب عنه ان معارك بوكرفا والساحل وام التونسي استندت في عمقها القبلي واللوجستي على قبائل وادنون؟ هل يعقل ان يعترف المستعمر بهذه الحقيقة في مراسلات الجنرال غيلو، بينما ينكرها اليوم رئيس جهة يجلس على كرسي صنعته تلك التضحيات؟
اقصاء وادنون من الحكم الذاتي ليس مجرد خطا، بل انحراف خطير، لانه يكرر رواية استعمارية قديمة حاولت فصل الوديان الثلاث لضرب قوة المغرب في الصحراء. واليوم، تستيقظ هذه الرواية في خطاب مسؤول جهوي، وكأن محاكم مدريد وباريس تعود الينا من جديد عبر فم منتخب مغربي.
الدستور المغربي واضح وضوح الشمس: رئيس الجهة يسير الجهة ولا يرسم حدود الدولة، ولا يقرر من يدخل في مشروع ملكي ومن يخرج منه. الحكم الذاتي مشروع سيادي، ليس ملكا لرئيس جهة ولا لتيار سياسي. الدولة هي التي تملك القرار، والتاريخ هو الذي يملك الشرعية، والشعب هو الذي يملك الذاكرة.
اما على المستوى السوسيولوجي، فمحاولة فصل وادنون عن الصحراء عبث صريح. قبائل تكنة وايت اوسى وايت لحسن والركيبات واولاد دليم تمتد جذورها من وادنون الى وادي الذهب بلا انقطاع. من اين جاء رئيس الجهة بتقسيم لا يعترف به لا التاريخ ولا القبائل ولا الذاكرة المشتركة؟
والاخطر من ذلك ان هذا الخطاب يقدم خدمة جاهزة للخصوم الذين حاولوا لعقود ايجاد صدع داخلي داخل الصحراء المغربية، فلم ينجحوا. وها هو اليوم يظهر صدع مصطنع من داخل مؤسسة منتخبة. وهذا امر لا يمكن السكوت عنه، لان وحدة التراب ليست مجالا للتجريب السياسي.
وادنون لا تطلب شهادة من احد، ولا تنتظر اعترافا من اي منتخب. هي جزء اصيل من الصحراء المغربية، شاء من شاء وابى من ابى، لا لاننا نقول ذلك، بل لان التاريخ والشرعية والوثائق والدولة والقبائل كلها تقول ذلك بصوت واحد.
حين يتكلم التاريخ، يصمت العبث السياسي. وادنون ليست خارج الحكم الذاتي، بل في قلبه، وهي المدخل الذي يربط الوديان الثلاث ويصنع وحدتها. ومن يظن انه يستطيع فصلها، فهو يعاند الحق والتاريخ والمشروع.