حارسة بوابة الصحراء: قصة صمود الأركان في مواجهة مقصلة المناخ وتحديات الأمن الغذائي

بقلم : هجر امشغل | الثانوية التأهيلية الحسن الثاني بويزكارن

تتميز منطقة سوس وجنوب غرب المغرب بنمو شجرة نادرة ومعمرة تُلقب بـ “شجرة الذهب الأخضر”، إنها شجرة الأركان. تعيش ما بين 200 إلى 500 سنة، ويصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار، وتتميز بأغصان شائكة. وتعتبر منطقة بويزكارن، شمال كلميم، إحدى الحدود الطبيعية الجنوبية والجنوبية الغربية الرئيسية لانتشار غابات شجر الأركان في المغرب. إنها المنطقة التي أنتمي إليها، والتي يُعد مناخها جافاً إلى شبه جاف، وتتراوح نسبة التساقطات فيها عموماً في المتوسط بين 100 و200 ملم.

ونأخذ على سبيل البحث والدراسة “واد تسلا” أو ما يُعرف كذلك بـ “تمشيجت”، وهي التسمية الأمازيغية المحلية العريقة التي يطلقها سكان بويزكارن ونواحيها على وادي تسلا. حيث تنطلق روافده من منطقة “أيت بوفولن” و”غرغير” وفج “أكنيمغار”، إذ يعبر مدينة بويزكارن في اتجاه وادي “تلمعدرت” ليصب في المنظومة المائية الكبرى لوادي “أم العشار”، لتنتهي الرحلة في اتجاه المحيط الأطلسي.

ومن خلال الملاحظة الميدانية التي قمت بها، تبين لي أن مجال الوادي يتخلله شجر الأركان. وما أثار انتباهي وجعلني أطرح العديد من التساؤلات، هو أن الشجر الموجود على ضفاف وادي تسلا يبدو أكثر كثافة وخضرة، كما يتميز بإنتاج وفير، على عكس الأشجار التي لا تبعد كثيراً والتي تتميز بضعف في النمو ولون باهت وقلة في الإنتاجية، الشيء الذي جعلني أبحث عن السبب وراء هذه المفارقة.

توجهت لمقابلة السيد “عبد اللطيف طوس”، رئيس منطقة القرب الغابوية لبويزكارن، الذي أكد لي على الدور المهم الذي تلعبه الغابة، وأن المنطقة تتميز بشجر الأركان الذي يمثل غطاءها الغابوي، والذي يلعب دوراً مهماً في الحماية من التصحر وانجراف التربة وتوحل السدود وتغذية المياه الجوفية والحماية من زحف الرمال. وصرح قائلاً: “شهدت المنطقة توالي سنوات الجفاف إذ لم تكن تتعدى التساقطات فيها 50 ملم، على عكس هذا الموسم الذي شهد بحمد الله تساقطات مهمة”. وأفاد أيضاً: “في الماضي كانت المياه الجوفية قريبة من السطح على مسافة لا تتعدى 50 متراً، لكن مع توالي سنوات الجفاف والاستغلال المفرط وغير المعقلن، أصبحنا نحفر أزيد من 150 متراً في باطن الأرض”. كما بيّن أن هذا التغيير المناخي الذي شهدته المنطقة قد يصاحبه هجرة للأصناف الغابوية، وقال في هذا الصدد: “من الممكن أن ينقرض شجر الأركان ليحل مكانه صنف آخر من الشجر الذي سيستحمل هذا التغيير”.

من خلال اللقاء والبحوث التي أجريتها، تمكنت من الإجابة عن تساؤلي. يتميز شجر الأركان في منطقة بويزكارن بتباين فيزيولوجي حاد تفرضه طبيعة الموقع؛ حيث ينعم شجر الوديان بتربة “الغريس” الرسوبية العميقة التي تعمل كإسفنجة لحفظ الرطوبة والأسمدة الطبيعية، مما يسمح للجذور الوتدية بالتعمق لامتصاص المياه الجوفية، وينتج عن ذلك أشجار خضراء وثمار ضخمة دسمة تُعرف بـ “أفياش”. في المقابل، يخوض الشجر البعيد معركة صمود في تربة كلسية صلبة تعيق نفاذ الأمطار وتصطدم فيها الجذور بصخور صماء، مما يضطر الشجرة لتطوير شبكة جذور أفقية واسعة تفرض تباعد الأشجار لضمان “حوز مائي” مستقل. وتتبنى هذه الأشجار نظام تقشف يظهر في تقزم الأغصان وصغر الأوراق الشمعية التي تسقط أحياناً لتوفير الطاقة في بوابة الصحراء الجغرافية (بويزكارن).

تُعد شجرة الأركان القابعة فوق تلال بويزكارن الكلسية أسطورة حية للصمود و”حارسة بوابة الصحراء”. فهي الجدار الأخضر الذي يحمي المنطقة من زحف الرمال. وبفضل نظامها الجذري وقدرتها على التكيف عبر البيات، توجتها اليونسكو إرثاً إنسانياً عالمياً سنة 2014. واليوم، ينحني العالم إجلالاً لهذه الجوهرة الجينية التي تمنحنا ذهباً سائلاً هو الأغلى دولياً، فزيتها غذاء فائق القيمة بتركيز استثنائي من مضادات الأكسدة والأحماض الدهنية الأساسية.

وحين نتحدث عن غذاء الأركان، لا بد أن نذكر الدور المهم للتعاونيات، ولهذا توجهت لـ “تعاونية تمعونين” في بويزكارن. كان لي لقاء مع السيدة “يمنة مكدول”، التي كانت تجسيداً حياً لروح المرأة المغربية الحرة التي لم تلج المدرسة، تلك التي أمضت عقدين ونصف لخدمة التعاونية. تساهم التعاونيات في توفير مورد رزق للنساء المطلقات، الأرامل، والفتيات غير المتمدرسات. وصرحت قائلة: “ساعدتنا الدولة المغربية، هي من أنشأت لنا المقر وجهزته بالتجهيزات اللازمة، واستفادت السيدات من دورات تكوينية دورية”. ومن خلال تجربتها الميدانية أفادت بأن: “جودة الأركان المتواجد بمنطقة الصويرة تقل عن المتواجد بمنطقة سوس”. (ويُفسر هذا الاختلاف باختلاف المناخ بين المنطقتين، فطبيعة الأركان تحتاج إلى جو جاف لا رطوبة فيه). هنا يتبين الدور المهم للمناخ من حيث الجودة والإنتاج، حيث أضافت: “إننا نجد صعوبة في شراء (الفيوش) لقلته، وذلك يُعزى لتوالي سنوات الجفاف. كما تأثر ثمن الزيت الذي شهد ارتفاعاً مهولاً ليصل إلى 700 درهم للتر الواحد”. منتوج “تمعونين” مرخص من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية (ONSSA)، فلا يحق لأي تعاونية البيع بشكل قانوني دون الحصول على اعتماد صحي. هذا يدخل في المجهودات التي تقوم بها مؤسسات الدولة لحماية المستهلك المغربي. ولكون التعاونية مرخصة فهي تساهم في الاقتصاد الوطني من حيث التسويق محلياً، وطنياً، ودولياً.

وأنا أغادر مقر التعاونية، تيقنت أن شجرة الأركان لا تمثل مجرد غطاء نباتي، بل هي مرادف حقيقي للمغرب تاريخياً وثقافةً واقتصاداً. إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في نقل هذا الإرث البيئي الثمين إلى الجيل الناشئ. فإذا كان التغيير المناخي يشكل خطراً كبيراً على هذه المنظومة، فإن العامل البشري لا يقل خطورة، إذ يظل الرعي الجائر والجني غير المعقلن من أبرز الأسباب التي تعجل بتدهور الشجرة. أمام هذا الوضع، لم يعد كافياً الاعتماد على الحلول التقليدية، بل إن الدولة ومؤسساتها مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمضاعفة جهودها وسن قوانين أكثر صرامة لحماية هذه الشجرة من خطر الانقراض.


تعاليق (0)
اضافة تعليق