إسبانيا ترفع سقف المواجهة مع واشنطن: لا سماء ولا قواعد للحرب على إيران
بقلم: محمد شياهو
كلميم – 30 مارس 2026
في خطوة وصفت بأنها “زلزال دبلوماسي” في أروقة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا روبليس، اليوم الاثنين، قراراً سيادياً يقضي بإغلاق المجال الجوي الإسباني بالكامل أمام الطائرات العسكرية الأمريكية المشاركة في الهجمات على إيران. هذا القرار لم يكتفِ بتأكيد الرفض السابق لاستخدام القواعد العسكرية المشتركة، بل امتد ليشمل منع “حق التحليق”، مما يضع مدريد في مواجهة مباشرة وحادة مع إدارة واشنطن.
سيادة الأجواء فوق حسابات التحالف
أكدت روبليس في تصريحات حازمة للصحفيين بمدريد: “لا نصرح لا باستخدام القواعد العسكرية ولا باستخدام المجال الجوي في أي أعمال مرتبطة بالحرب في إيران”. هذا الموقف، الذي نقلته وكالة رويترز، يعكس رغبة حكومة بيدرو سانشيز في النأي ببلادها عن صراع تراه مدريد “غير قانوني” ويهدد الاستقرار العالمي، مشددة على أن الصداقة مع واشنطن لا تعني التبعية المطلقة في مغامرات عسكرية أحادية الجانب.

التبعات اللوجستية والجيوسياسية
يمثل القرار الإسباني ضربة استراتيجية موجعة للتحركات العسكرية الأمريكية؛ فإسبانيا هي “البوابة الغربية” لأوروبا والممر الحيوي نحو المتوسط والشرق الأوسط. وبإغلاق أجوائها، ستضطر القاذفات وطائرات التزود بالوقود الأمريكية المنطلقة من المحيط الأطلسي أو القواعد البريطانية إلى اتخاذ مسارات التفافية أطول بكثير، مما يزيد من تكلفة العمليات العسكرية ويعقد الجداول الزمنية للهجمات.
إعادة إحياء “روح 2003”
يرى مراقبون أن إسبانيا تستعيد اليوم المشهد السياسي التاريخي لعام 2003، حينما عارضت القوى الشعبية واليسارية بشدة حرب العراق. إلا أن الفارق هذه المرة يكمن في أن الموقف رسمي ومؤسساتي، ويتجاوز مجرد المعارضة السياسية إلى العرقلة الإجرائية والميدانية. حكومة سانشيز، المدفوعة بضغط من قاعدتها الشعبية وحلفائها في اليسار، اختارت “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” كغطاء لهذا القرار، مفضلةً الالتزام بمبادئ القانون الدولي على الاستجابة لضغوط إدارة دونالد ترامب.
مستقبل العلاقات الثنائية
هذا التحول الدراماتيكي يضع العلاقات بين مدريد وواشنطن في “غرفة العناية المركزة”. فإسبانيا التي تستضيف قواعد استراتيجية كبرى مثل “روتا” و”مورون”، تدرك أن هذا المنع قد يتبعه رد فعل أمريكي انتقامي، سواء عبر عقوبات تجارية أو تقليص التعاون الاستخباراتي. ومع ذلك، يبدو أن القيادة الإسبانية تراهن على قيادة تيار أوروبي يرفض الانجرار خلف السياسات التصعيدية في الشرق الأوسط، مؤكدة أن أمن القارة العجوز يبدأ من رفض تحويل أراضيها وأجوائها إلى منصات للحروب.
بينما تشتعل طبول الحرب في سماء الشرق الأوسط، اختارت إسبانيا أن تظل سماؤها “منطقة سلام”، مرسلةً رسالة واضحة إلى البيت الأبيض مفادها أن السيادة الوطنية لا تُقايض بالولاء العسكري. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت دول أوروبية أخرى ستجرؤ على حذو حذو إسبانيا، أم أن مدريد ستجد نفسها وحيدة في مواجهة “العاصفة الأمريكية” القادمة.